سيد محمد طنطاوي
341
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
سواك لا يغنى ولا يشبع . وقد جمع عيسى في دعائه بين لفظي « اللهم وربنا » إظهارا لنهاية التضرع وشدة الخضوع ، حتى يكون تضرعه أهلا للقبول والإجابة . وعبر عن مجيء المائدة بالإنزال من السماء للإشارة إلى أنها هبة رفيعة ، ونعمة شريفة ، آتية من مكان عال مرتفع في الحس والمعنى ، فيجب أن تقابل بالشكر لواهبها - عز وجل - وبتمام الخضوع والإخلاص له . وقوله * ( تَكُونُ لَنا عِيداً ) * صفة ثانية لمائدة ، وقوله * ( لَنا ) * خبر كان وقوله * ( عِيداً ) * حال من الضمير في الظرف . قال الفخر الرازي : تأمل في هذا الترتيب ، فإن الحواريين لما سألوا المائدة ذكروا في طلبها أغراضا ، فقدموا ذكر الأكل فقالوا * ( نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها ) * وأخروا الأغراض الدينية الروحانية . فأما عيسى فإنه لما ذكر المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية وأخر غرض الأكل حيث قال : * ( وارْزُقْنا ) * وعند هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح في كون بعضها روحية ، وبعضها جسمانية . ثم إن عيسى لشدة صفاء دينه لما ذكر الرزق انتقل إلى الرازق بقوله * ( وارْزُقْنا ) * لم يقف عليه : بل انتقل من الرزق إلى الرازق فقال : * ( وأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) * . فقوله : * ( رَبَّنا ) * ابتداء منه بذكر الحق . وقوله * ( أَنْزِلْ عَلَيْنا ) * انتقال من الذات إلى الصفات . وقوله * ( تَكُونُ لَنا عِيداً لأَوَّلِنا وآخِرِنا ) * إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها نعمة ، بل من حيث إنها صادرة من المنعم . وقوله : * ( وآيَةً مِنْكَ ) * إشارة إلى كون هذه المائدة دليلا لأصحاب النظر والاستدلال . وقوله : * ( وارْزُقْنا ) * إشارة إلى حصة النفس . ثم قال الإمام الرازي : فانظر كيف ابتدأ بالأشرف فالأشرف نازلا إلى الأدون فالأدون ثم قال : * ( وأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) * وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق ، ومن غير اللَّه إلى اللَّه ، وعند ذلك تلوح لك سمة من كيفية عروج الأرواح المشرقة النورانية إلى الكمالات الإلهية ونزولها « 1 » . ثم ختم - سبحانه - حديثه عن هذه المائدة وما جرى بشأنها بين عيسى والحواريين من
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 2 ص 131